بنيامين التطيلي

132

رحلة بنيامين التطيلى

ولهذه الظاهرة أسباب تتصل بالعوامل الثلاثة التي بيناها . فمن الوجهة السياسية كانت القرون الوسطى شديدة الوطأة على يهود أوروبة بأجمعها ، إذا استثنينا أسبانية الإسلامية ، ذاقوا فيها من ضروب التعسف والاضطهاد والتقتيل والتشريد ما يعجز عن تبيانه القلم . أما يهود الشرق ، فكانوا أسعد حظا وأكثر استقرارا واطمئنانا على أرواحهم وموطنهم وأموالهم من إخوانهم في الغرب . فقد ترك لهم خلفاء المسلمين وسلاطينهم حرية الإيمان والمعتقد وأمّنوهم على أرواحهم وما ملكت أيمانهم بدافع الشرع القويم والعرف والتسامح . فلم يكن اليهودي ، وهو من أهل الذمة ، ملزما بأكثر من جزية بسيطة يدفعها إلى بيت مال المسلمين لقاء حصوله منهم على حقوقه المشروعة . وإذا كان يهود الشرق عانوا أحيانا بعض الشدة في عهود الانحطاط من بعض الأمراء المتغلبين ، فإن تلك الأوضاع الشاذة ما كانت تدوم إلا أمدا قصيرا . إذ لم تكن هناك خطة اضطهاد مرسومة وسياسة عداء مقررة . ولم تبلغ الحال ، في أشد أيامها ، مبلغ الطرد الإجماعي أو التقتيل بالجملة ، مثلما كان يحدث في أوروبة . لذلك كان يهود الشرق يعيشون في استقرار ودعة واطمئنان ، فلم يكن ثمة ما يبرر مبارحتهم ديارهم إلى بلاد الغرب وهي يومئذ على ما وصفنا . أما حج بيت المقدس فلم يكن غير مرغوب فيه من يهود الشرق . بل